محمد الغزالي
68
فقه السيرة ( الغزالي )
شهر ، ثم قفل عائدا إلى مكة ، وإذا المرض يلاحق أمّه ويلحّ عليها في أوائل الطريق ، فماتت ب ( الأبواء ) ، وتركته وحيدا مع الخادم المشدوهة لحال طفل يفقد أباه وهو جنين ، ويفقد أمه وهو ابن خمس سنين . إنّ المصاب الجديد نكأ الجروح القديمة ، مما جعل مشاعر الحنوّ في فؤاد ( عبد المطلب ) تربو نحو الصبي الناشئ ، فكان لا يدعه لواحدته المفروضة ، بل يؤثر أن يصحبه في مجالسه العامة ؛ كان إذا جلس على فراشه بجوار الكعبة ، أدناه منه ، في حين يجلس الشيوخ حوله . وقد تأخرت سن عبد المطلب حتى قيل : إنه توفي وله مئة وعشرون سنة ، إلا أنه فارق الحياة وعمر ( محمد ) صلى اللّه عليه وسلم يناهز الثمانية ؛ فرأى - قبل وفاته - أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمّه أبي طالب . ونهض أبو طالب بحقّ ابن أخيه على أكمل وجه ، ضمّه إلى ولده ، وقدّمه عليهم ، واختصّه بفضل احترام وتقدير ، وظل فوق أربعين سنة يعزّ جانبه ويبسط عليه حمايته ، ويصادق ويخاصم من أجله . ودرج محمد عليه الصلاة والسلام في بيت أبي طالب والسن تمضي به قدما إلى الوعي العميق بما حوله ؛ فأصر على أن يشارك عمه هموم العيش ، إذ كان أبو طالب - على كثرة أولاده - قليل المال ، فلما قرر أن يمضي على سنن ابائه في متابعة الرحيل إلى الشام ابتغاء الاتجار والربح ، قرر أن يكون معه ، وكان عمره نحو الثلاث عشرة سنة .